كلمة الدكتورة إبتهال الخطيب في حفل تخرج الفوج الثامن

Image: 
18 تشرين أول 2017
<div style="direction: rtl;">17 تشرين أول 2017&nbsp;<br /> <br /> إستضاف معهد الإعلام الأردني الكاتبة والإعلامية الدكتورة إبتهال الخطيب من جامعة الكويت لتكون متحدثاً رئيسياً في حفل تخرج الفوج الثامن.&nbsp;<br /> <br /> ويقدم لكم معهد الإعلام الأردني نص الكلمة التي ألقتها&nbsp;الدكتورة إبتهال الخطيب :&nbsp;<br /> <br /> أود أولاً أن أشكر معهد الإعلام الأردني ممثلاً بمؤسسته صاحبة السمو الأميرة ريم علي وعميده الدكتور باسم الطويسي ومجلس إدارته وأعضاء هيئته التدريسية وبالتأكيد طلبته المميزين على إستضافتهم الجميلة والسماح لي بالوقوف أمامهم بكلمتي وهم يخطون خطوة جديدة مهمة في الحياة. أنا حقيقة غاية في السعادة أن أقف معكم اليوم، أؤدي التحية وأضرب تعظيم السلام لحملة الراية وصانعي المستقبل من خريجي معهد الإعلام الأردني.<br /> <br /> الفوج الثامن ، ها أنتم هنا، ألف مبروك الوصول.<br /> <br /> أبارككم التخرج والشهادة والبداية الجديدة، هذه البداية النوستالجية التي هي نهاية لزمن رائع، بداية تختم هذا الفصل الممتع من الحياة، تغلق الباب على هذه الدنيا الجميلة المتوارية خلف بوابات المعاهد والمدارس والجامعات والتي هي دوماً دنيا مختلفة، دنيا هادئة آمنة كريمة العطاء، في ظلها كلنا نشعر أننا أقوى، خلال سنواتها كلنا نقرأ أكبر مقدار من العلوم، في فصولها نتحدث ونتجادل، نتصادق ونتعارك، نحب ونغضب، تحت أعين أساتذتها ننطلق ونحلم ونخطط، آمنين بقلقهم، واعدين أنفسنا بالطيران فور رفعهم لوصايتهم، في هذه السنوات نمتلك العالم، نغيره، نتوعده بإنطلاقتنا القادمة، كلنا نصبح سفراء ووزراء ورواد فضاء وراقصي باليه وصحفيين مميزين، كلنا نصبح مشاهير، كلنا متأكدين من الوصول.<br /> <br /> يا لروعة البدايات، كل البدايات خلابة، كلها وعود وعهود وأحلام نكاد ننساها لاحقاً ونحن نتواجه والحياة وواقعها، ونحن نبحث عن الوظيفة ونتعامل مع المدير الجالس على كرسي قمتها، ونحن نعيش روتين الحياة اليومي ونقلق على متطلبات العائلة ونتذمر من زحام الشارع ونشتكي إرتفاع الأسعار. ما أجمل البداية ويا لروعة إرتفاع سقف تطلعاتها. بعد شهادة البكالوريوس كنت قد قررت أن أوصل المسرح العربي للعالمية، وبعد شهادة الماجستير كنت قد عزمت الأمر على أن أصبح ممثلة مسرح ستقدم أفضل دور لليدي مكبث في تاريخ المسرح بمجمله، وبعد شهادة الدكتوراه كنت قد أصررت على أن أمتلك مسرحي الخاص الذي سأعرض عليه كل أنواع الفن المسرحي الجريئ رغم أنف الرقابة. اليوم، وبكرم دعوتكم لأشارككم يوم البداية هذا، تذكرت قائمتي الأنيقة من الآمال والأحلام، قائمتي التي وأن لم أفعلها بشكل حقيقي، الا أنني لم أنسها قط، طازجة هي بعد، يانعة في قلبي كما في زمن كل بداية. وعليه إرتأيت أن أذكركم وأوصيكم ونفسي، ونحن من سبقكم في رحلة الحياة نعرف كم هو شرس الإعتياد في التعامل مع الأحلام، كم هو فظ القلق وقاسية المسؤولية في إخمادهما للآمال والتطلعات والطموحات، أوصيكم ألا تنسوا هذه اللحظة، ألا يغيب عنكم شعوركم الحاضر، ألا يحولكم الروتين الى أشخاص واقعيين تركوا خلفهم الأحلام والآمال بإمتلاك العالم، لا تستسلموا لوقع الأيام السريع ينسيكم يومكم هذا بفرحته وتطلعاته. النجاح القادم سيحدده ويجدده تجدد الأحلام والتمسك بلحظات الأمل والإصرار، الإصرار على الطموح والهدف مهما بديا غير واقعيين، وهل أجمل من الأهداف الجنونية النبيلة؟<br /> <br /> لكنكم أنتم قصة أخرى، مستوى آخر من الجنون النبيل إذا عذرتم تعبيري. أنتم الإعلاميون، أنتم الصحفيون، أنتم من ستشكلون وجه العالم، ترسمون ملامحه بل وتصنعون حقائقه. كل كلمة ستقولونها، كل صورة ستبثونها، كل تعليق سترفقونه، كل حرف أسود يطبع على الأوراق البيضاء التي ستدخل البيوت وتستقر على الأيادي لترقد بعدها تحت سفرات الغداء أوتلتف حول كبشة فول سوداني، ستشكل العالم في عيون وضمائر قرائكم ومتابعيكم. حملكم ثقيل بلا شك وأنتم لا تنقلون الخبر فقط، ولكنكم في الواقع تشكلون الحقيقة، ترسمون الصورة، تؤسسون لسلسة من الأفعال وردود الأفعال الناتجة عن كلماتكم، فبإختيار الخبر الذي ستنقلون، بإختيار الكلمات التي بها تصيغون الخبر، بإختيار المنظر الذي سيشكل خلفية خبركم، بإختيار البسمة أو التقطيبة أو العبرة تترقرق في أعينكم كرفقة لبث خبركم، ستقولون أكثر مما ستقولون، وستصنعون واقعاً عند أناس لم يروه بأعينهم، وستشكلون حقيقة عند متابعين لم يتلمسوها مباشرة. أنتم الكلمة بين القارات والصورة بين البقع الجغرافية البعيدة، الحلقات الرابطة بين الأزمنة والثقافات، تنقلون لون سماء عمان الى قرية صغيرة في جنوب فرنسا، تخبرون أسرة معزولة في أحد مدن أوكلاهوما عن رائحة مزارع الزيتون في فلسطين، تُعلِمون مراهقي سان دييغو السابحين على شواطئها حول تفجيرات شارع الرشيد في بغداد. أنتم الحلقة الأخطر، والرابط الأعمق في هذه الحياة، حياة أصبحت تتشكل في العالم الإلكتروني الإعلامي، فتقوم حروبها، وتنفض نزاعاتها، وتنفجر ثوراتها على الصفحات الإلكترونية وبأقلام روادها، فما ستصنعون من هذا العالم؟<br /> <br /> &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; في تلك السنوات الماضية، عندما كانت القضية الفلسطينية غائبة بحقائقها عن وجدان العالم، أتذكر أنني كنت أنبهر وأتلوى في ذات الوقت وأنا أسمع وأرى الكيفية التي بها &quot;تصنع&quot; الحقائق. كانت تلك القناة الإخبارية العالمية الكبرى تقول نقلاً للخبر من فلسطين أنه &quot;وفي تل أبيب قٌتل ثلاثة إسرائيللين ومات مئة فلسطيني،&quot; قتل ومات، فرق الكلمة هذه شكل وجدان الشعب الأمريكي لعقود طويلة حول القضية الفلسطينية رابطاً إيمانهم على أن الإسرائيللين يُقتلون وأما الفلسطينيين فببساطة وبراءة يموتون. وهكذا تحولت الصورة برفق ودون الشعور بالمكيدة الإعلامية من حالة إحتلال يقتل ويهجر فيها الفلسطينيون الى حالة إرهاب يعاني خلالها الإسرائيليون المعجونون تحت العنف الفلسطيني. كلمة تتكرر كل يوم، صور منتقاة بعناية وأخرى محيًدة بعناية أكبر، صنعت &quot;حقيقة&quot; فرضت على العالم.<br /> <br /> لكنكم هنا لتغيروا أساليب الحرب الباردة هذه، أنتم هنا لأن الحقائق أهم من المصالح، أنتم هنا لأنه لا شيئ أروع وأجمل من الصورة الكاملة مهما بلغ ألمها. إنهم أنتم، بكل حقيقة تكشفونها، بكل قصة تروونها، بكل صورة تلتقطونها، تكشفون ألماً، تهزمون ظلماً، تنقذون إنساناً. هم أنتم تطبعون هذه الحروف الجبارة على الورق المحايد، تصنعون ثورة، تقلبون ميزاناً، تكشفون خفياً، تقدمون معلومة، وفي هذا الزمن هل من سلاح أقوى وعلاج أنجع من سلاح وعلاج المعلومة؟<br /> <br /> &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; المعادلة تبدو سهلة ومباشرة، إلا أنها تضع المسؤولين عنها أمام أصعب الخيارات، هناك وقائع إذا لم يتم كشفها يموت الناس وهناك وقائع إذا تم كشفها يموت الناس، هناك كلمات إذا تم استخدامها تتوهج الحقيقة، وهناك كلمات إذا تم إستخدامها تخفت الحقيقة، هناك خبر يخلق حضوراً وهناك خبر يخلق غياباً، هناك كلمات تصنع ملامح وهناك كلمات تشوه ملامح. وها هنا تقفون أنتم، دوماً عند عتبة الحقيقة التي تتقصونها، كل يوم وكل ساعة ولربما كل لحظة متواجهين وهذه الاسئلة الصعبة والخيارات القاسية، مدركين أن الحقيقة لن تكون سوى تلك الصورة التي ترسمونها أمام أعين الناس، والتي لربما تبقى في ضمائرهم ووعيهم لعقود ولربما قرون قادمة. أين هي الحقيقة، ما هي الحقيقة، كيف نعبر عن الحقيقة، الحقيقة أم المصلحة، الحقيقة أم السعادة، الحقيقة أم الأمان؟ تلك هي تحديات عملكم كل يوم، هذه الأسئلة الفلسفية التي تبحثها البشرية منذ قرون مضت ستكون حاضرة معكم في كل ساعة من ساعات عملكم، الحقيقة القادمة والعالم الذي سيتشكل بها سيكونان من صنعكم، فأي حقيقة تودون أن تعيشوا وأي عالم تختارون أن تصنعوا؟<br /> مثل الطبيب، ولكن أكثر عمقاً وأشد تأثيراً، الصحفي قصصه لا تنتهي ودراسته لا تنتهي ودوره لا يمكن التقاعد عنه. في مقال نشر في مجلة التايم بعنوان <span dir="LTR">&ldquo;The Story Behind the Most Haunting Images of the Rohingya Exodus&rdquo;</span> أو &quot;القصة خلف أكثر الصور تأثيراً لهجرات الروهينغا&quot; يقول كاتبه المصور الفوتوغرافي كيفين فراير حول تجربته المباشرة مع توثيق المأساة:<br /> &quot;المغادرة لم تكن سهلة. لقد ذهبت متأملاً أن أقدم إضافة في سرد القصة، الا أنك دوماً ما تشعر أنك لم تصور كفاية، لم تر كفاية، أو لم تسمع كفاية. هناك حاجة ملحة لأن نبقى نقدم معلومات مصورة قوية والتي ستضمن ألا يتم نسيان هؤلاء الناس. الا أنه في النهاية لابد لك أن تغادر لأن فيزتك ستنتهي مدتها.<br /> <br /> أنا أؤمن أن الصحافة القوية يمكنها أن تخلق ضغطاً لتجبر الحكومات على إتخاذ قرارات ضمائرية جيدة، قرارات صائبة، لمساعدة الناس في ظروفهم الحالكة. إن هذا التدفق اللانهائي للمعلومات للعامة لهو وسيلة قوية فعالة لإستثارة الغضب وتفعيل الحوار&quot;.<br /> <br /> نحن القراء، الناس العاديين، ننسى ذلك كثيراً، ننسى أنكم لستم فقط صحفيون تقايضون راحتكم وأحياناً تغامرون بحياتكم لإجبار الحكومات بإتجاه القرارات الإنسانية الضمائرية، لستم فقط جنود مهمتهم تبيان المعاناة وملاحقة الحقيقة أينما كانت، أنتم كذلك بشر، عواطف ومشاعر وأعصاب ننسى نحن البقية الذين نتلقى خدماتكم رقتها، لا نقيم كثيراً الإصابات التي تنالها، تجدنا نقرأ خبر موجع مثلاً &nbsp;في جريدة أو نشاهد صورة مؤلمة على شاشة التلفاز دون أن نثبت حقيقة أن ثمن هذا الخبر قلب مكلوم، أن الطريق الى الصورة فرش بالوجع والمشاعر المصابة، أن الصحفي الذي عاد بقصته هو غيره الذي ذهب باحثاً عنها. تعلمت أنا هذا الدرس بالطريقة الأقسى والأصعب، حين تلبست شخصية الصحفية في رحلتي مع مؤسسة ليان الإنسانية إنطلاقاً الى طرابلس لنتفقد أحوال اللاجئين السوريين في بداية الأزمة السورية والذين عبروا النهر البارد وصولاً الى طرابلس تحت ظروف قاهرة الصعوبة. أبداً ما عدت بعد هذه الرحلة لأرض وطني كما ذهبت، ولن أعود في يوم الإنسانة التي كنت. إختارت ليان مجموعة من الناشطين للمشاركة في الرحلة وطلبت منا جميعاً أن نلعب دور الصحافة فيها، أعلمتنا أن مهمتنا ستقتصر على تسليط الضوء على القضية وأن علينا أن ننتبه أن دورنا الرئيسي هو إيصال صورة الكارثة للعالم وليس إنقاذ كل الذين سنقابلهم. أكد علينا مدراء حملتنا أن نلتزم بحدود مهمتنا والا نرتبط نفسياً بكل حالة سنقابلها والا سنعجز عن إتمام الهدف وإيصال الرسالة. كنت أعلم أن المهمة صعبة، ولكن ما كان ينتظرنا فاق كل التصورات والتوقعات.<br /> <br /> صوت إغلاق باب السيارة حين تنتهي المهمة لا يزال يخترق أذني مثل سيخ حديد حام، الوجوه الصغيرة الجميلة، يظهر منها العينين والجباه وهي تطل من زجاج السيارة، تودع الوداع الأخير، أنظر اليهم وينظرون، يباعدنا الطريق، أنا محملة بالصور والقصص وهم محملون بالأسى الذي لا ينضب، أساءل نفسي، هل سيبقون أحياء الى الشتاء القادم؟ أي قسوة وبشاعة هي أن نضطر أن نسأل هذا السؤال، وكيف يمكن أن نعود لحيواتنا السابقة&nbsp; بعد أن نسأله؟<br /> <br /> ننسى نحن كثيراً أن عملكم هو ليس مكتب تغادرونه بأوراقه، عملكم هو الحياة بأحداثها، هو البشر والمشاعر والآلام والآمال، هو القصص والصور، هو الأفراح والأتراح، هو كل يوم وكل دقيقة. ننسى نحن أن عملكم هو أعماركم التي تشاركونها كل البشر، وتغيرونها من أجل قصصهم.<br /> <br /> &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; أود هنا أن أختم ببضع كلمات جاءت في مقال بريت ستيفنز والذي نشر في النيويورك تايمز في 24 سبتمر الماضي والذي هو بعنوان <span dir="LTR">&ldquo;The Dying Art of Disagreement&rdquo;</span> أو &quot;الفن المحتضر للإختلاف&quot; يقول فيه:<br /> &quot;الا أنه لا يمكن لدولة أن تحظى بحكومة جيدة أو شارع عام صحي دون صحافة نوعية عالية الجودة، صحافة تستطيع أن تميز بين الوقائع والمعتقدات وأيضاَ بينها وبين الرأي، صحافة تفهم أن الهدف من الرأي ليس هو الإبتعاد عن الوقائع ولكن استخدامها (هذه الوقائع) كجسر لتلك الفكرة الأكبر المسماة &quot;الحقيقة&quot;، صحافة تُقدر أن الحقيقة هي بحد ذاتها غاية سامية والتي، مثل مانهاتن، يمكن الوصول إليها عبر العديد من الجسور ذات التصاميم عميقة الإختلاف. بكلمات أخرى، هي الصحافة المتجذرة في الوقائع والحافلة بالإختلافات.&quot;<br /> <br /> &nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp;&nbsp; ها نحن نعود دوماً للحقيقة، الهدف الأسمى للإنسانية والتي تمثلها في أنبل صورها وتسعى اليها في أخطر مواقعها مهنة الصحافة الرائعة. ها أنتم اليوم تستلمون شهاداتكم من معهد الإعلام الأردني الذي ينص في نظامه الأخلاقي على أنه يتخذ &quot;من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخاصة البند رقم (19) منه، دعامة أساسية لعمله&quot;، واضعاً حرية الرأي والتعبير التي تنص عليها المادة 19 من الإعلان العالمي على رأس قائمة أخلاقيات المهنة، مثبتاً الإنسانية على ذات المسافة من ضمائركم التي تقف عندها الحقيقة.<br /> <br /> لقد إخترتم الطريق، وما كان قد كان، ستبقون تحيون مدى الحياة رسلاً نبلاء للحقيقة، مضحين عظماء لها، جسوراً تمتد تحت خطواتها، أنفاساً تتردد لتردٍدُها، لتنور الضمائر والعقول، لتضمن الحقوق، لتنقذ الإنسانية.<br /> <br /> نقف اليوم تحية إجلال وإكبار لكم ولرسالتك العظيمة ومهمتكم الجليلة، إربطوا الأحزمة واستعدوا للوقوع الحر. ألف مبروك الفوج الثامن، دفعة 2016/ 2017.</div>